الدكتور فايز بن عبد الله الشهري
تطلّ منذ قرابة الشهر على (جماهير) الانترنت السعوديين شخصيّة "أنثى" شهرزادية افتراضيّة سمّت نفسها "شادية عسكر" لتروي حكايتها ، وفي كل طلّة تجد "شادية" في انتظارها أكثر من ألف شهريار الكتروني يعتبون عليها تأخرها وكسلها ، في حين تكتفي "شادية" بردود غامضة قصيرة ثم تستأنف سرد حلقات الألف حكاية وحكاية موظِّفة عُقَد التاريخ القريب، و نقائض المجتمع ، ومحرمات الدين الحاكم لحياة الناس في مدينتها لإعطاء حكاياتها الالكترونيّة "اللمعان" كأحد أهم شروط جاذبية النص الالكتروني. ليس مهما من (هو) "شادية" أو ما غرض الشخصية أن اختارت لنفسها مهنة "طقاقة" تتعهّد ضرب الدفوف والرقص والغناء في حفلات القادرين من سكان مدينة الرياض أواخر الستينيات والسبعينيات الميلاديّة.
وحيث لازالت الحكاية ماضية وجمهورها لا يملّون ترديد عبارات التشجيع "لشادية" على طريقة "كمان يا ست" فلا يمكن معرفة مستوى تأثير هؤلاء على "شخصيّة" ورواية "شادية " خاصة وهو (أو هي) يرى تعاظم عدد "زوار" صفحات حكايته إلى ربع مليون زيارة الكترونيّة في زمن هو يقترب من شهر واحد . ترى لو قُدِّر لكاتب وراوي حكاية "شادية عسكر" نشر هذه الحكايات ورقيّاً هل سيحظى بربع الربع من عدد متصفحي سلسلة حكايته الكترونيا.
هذه هي الانترنت وتلك هي بعض عجائبها ومحدداتها وعلى الرغم من أن بعض نظريات القراءة تحاول الإيحاء بالأثر النفسي والثقافي (المجتمعي) في محاكمة النصوص والأعمال الفكريّة ضمن سياقات (خارجيّة) تاريخيّة واجتماعيّة إلا أن حكاية "شادية عسكر" بدت وكأنها خارج الزمن ناهيك عن أن الاسم المستعار لكاتبها قلّل كثيرا من تأثير السياق المرجعي ومكانته، كما أن أحداث هذه الحكاية تناثرت وتأدلجت بدءا من عنوانها ما صعّب مهمّة فهمها باستدعاء العوامل الخاصة ( الداخليّة) في بناء وشكل النص لأن كاتب النص "يعدّل ويضيف" متأثرا بتعقيبات قرائه والتي طالت حتى "ال" التعريف في اسم الراوية. إذا هل يمكن - في حال كهذه خاصة وأن "شادية" ترد و وتفسّر القول إن (القارئ) المتلقي هو (كاتب النص) لوضوح دوره المركزي في تحديد معنى النص واتجاهاته وان المؤلف هنا مجرد حاوية أفكار لا فضل له إلا فضيلة الجمع والتركيب كما يقول رولان بارت صاحب "موت المؤلف".
بعض هذا الكلام عن حكاية "شادية عسكر" التي لم تكتمل بعد يدخل في مفهوم النقد الثقافي العام الذي عادة ما يكون اقل صرامة من الناحية المنهجيّة لانه ينطلق من فهم الناقد للنص الأدبي وتأويله لمعناه باعتبار أثر ذلك النص على متلقيه. ولعلّ هذا ما يميّز الدراسة الأدبيّة المنهجيّة التي تتعدى مفهوم مطالعة النص إلى العناصر الخارجة عن فعل القراءة مثل منطلقات العمل الأدبي، وصلاته بالنصوص السابقة للمؤلف والسياق العام الذي ينتظم كُتَّاب المرحلة التي سبقت أو تلت.
ولكن من قراءة وتحليل تعقيبات قراء نص "شادية عسكر" على شبكة الانترنت يتّضح أمامنا كم هي كبيرة خيبة أمل أولئك الذين يصرّون على قراءة مثل هذا النص المتلوّن، وفق مفهوم (ما يجب أن يكون عليه) الدور الاجتماعي (الرسالي) للأدب بدعوى أن العمل يفتقد إلى "رسالة" أو سمة أخلاقيّة (قِيَمِيّة) لأنهم ببساطة لم يفطنوا إلى أن "الناصّ" هنا تقنّع الكترونيا هروبا من (كل) سلطات المجتمع ليحتفي بالقارئ (العام) مستدعيا جماهيريّة نصّه من المزاوجة بين إذكاء مشاعر الحنين للماضي ، وتمرير مكاشفاته الجارحة بشيء من مهارة الالتفاف التبادلي بين الممنوع الاجتماعي والحرام الديني في تسويغ عاطفي فج في كثير من الأحيان لم ينج من فخ تصفية الحسابات وإغراء المزايدات.
مسارات
قال ومضى: إذا وافقك الرأي (كل)من حولك في (كل) مرّة .. فأنت أحد ثلاثة:- إما جبّار تهيّبوه، أو غني تملّقوه، أو أحمق قد ضيعوه .. فاختر مكانك.
fayez@alriyadh.com مصدر الخبر ..