
بعد أن أثارت غضب ملكة بريطانيا والرأي العام قررت هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) خفض عدد الوظائف بشكل حاد هذا الاسبوع في أكبر أزمة تواجهها منذ خلاف مع الحكومة بشأن العراق.وبدا أن المؤسسة التي تتلقى تمويلا من الحكومة والتي لها تاريخ عريق في الصحافة تخرج من أزمة لتقع في أخرى هذا العام الامر الذي أضر بثقة المشاهدين فيها وبمصداقيتها.ومن المتوقع أن يعلن المدير العام للهيئة مارك طومسون يوم الخميس خططا لخفض الوظائف بما يصل الى 2800 وظيفة بسبب خفض الميزانية. وسيكون القسم الاخباري وقسم البرامج الوثائقية الاكثر تضررا نتيجة هذا الخفض.وحذر عاملون ونقابات من أثر ذلك على كيفية انتاج الهيئة. ووفقا لوسائل اعلام فسيتأثر أيضا موقع (بي.بي.سي) على الانترنت bbc.co.uk الذي تقول الهيئة انه يجتذب 35 مليون زائر شهريا من جميع أنحاء العالم.والنتيجة هي انخفاض الروح المعنوية في الوقت الذي تطرح فيه تساؤلات عن استراتيجية الهيئة.وقال احد العاملين طالبا عدم نشر اسمه الاجواء مروعة.لكن مسألة الازمات لم تقنع الجميع.وتهيمن هيئة الاذاعة البريطانية التي لا تبث اعلانات على الساحة الاعلامية البريطانية اذ تجتذب جماهير عريضة لقنواتها التلفزيونية الرئيسية وكثيرا ما تحدد الاجندة الاخبارية.وتمثل محطاتها الاذاعية أكثر من 50 في المئة من حصة السوق من حيث عدد المستمعين كما أن موقعها على الانترنت هو واحد من أشهر المواقع في بريطانيا.ولن تتأثر محطة بي.بي.سي. وورلد التلفزيونية التي تمول تجاريا والتي تبث في أكثر من 200 دولة على مدار الساعة الى جانب محطة بي.بي.سي وورلد سيرفس وراديو وورلد سيرفس بشكل مباشر نتيجة خفض الوظائف. كما أن بي.بي.سي. وورلدوايد وهي الوحدة التجارية للهيئة هي أنجح مصدر للبرامج التلفزيونية في أوروبا.وذكرت المحللة الاعلامية كلير اندرز أنه يتعين أن تبدو بي.بي.سي. اسفة عندما تقترف خطأ بسبب موقعها كمؤسسة اعلامية عامة وما يتبع ذلك من تمحيص.وقالت كل هذه الالعاب تمارس بشكل علني للغاية. ابداء الندم والتعبير عن الاستياء...لكن خلف كل ذلك هناك أداء مذهل لمنظمة لها دخل مضمون. انهم محظوظون للغاية.وبالنسبة للبعض تبرز مشاكل بي.بي.سي. صراعها للتكيف مع العصر الرقمي. وخوفا من التهميش في عصر تسود فيه القنوات الرقمية أطلقت الهيئة التي تمول من ضريبة تفرض على البيوت التي تملك أجهزة تلفزيون سلسلة من القنوات التلفزيونية والمحطات الاذاعية الجديدة والخدمات التفاعلية لاستقطاب الجماهير.ويجادل منتقدوها بأن هذا التوجه نحو الاهتمام بالحجم ومعدلات المشاهدة واشراك الجماهير هو الذي أدى الى أحدث المشاكل التي تواجهها الهيئة بما في ذلك الازمة مع الملكة.وفي تلك المناسبة اضطرت الهيئة للاعتذار بعد أن عرضت لقطات دعائية لفيلم وثائقي لمح بشكل خاطئ الى أن الملكة اليزابيث انسحبت غاضبة من جلسة تصوير مع المصورة الشهيرة أني ليبوفيتس.وجاء ذلك في أعقاب اعتراف الهيئة بشأن مسابقات مزورة أقيمت خلال مناسبات خيرية معروفة ومحطات اذاعية الى جانب برنامج الاطفال الشهير بلو بيتر الامر الذي قوض ثقة المشاهدين في الهيئة التي كانت تدلل باسم العمة.وتصدرت الفضيحة عناوين الصحف ودفعت مسؤولي الهيئة الى تقديم اعتذارات علنية محرجة.وأبلغ ستيفن بارنيت وهو أستاذ الاعلام في جامعة وستمينستر رويترز أن الفضيحة الاخيرة بشأن خداع المشاهدين ربما لا تكون بحجم الخلاف على حرب العراق لكن اثارها قد تكون أكثر فداحة.ففي عام 2003 ثار خلاف حاد بين الحكومة وبي.بي.سي. بسبب قصة بثتها الهيئة وزعمت فيها أن الحكومة بالغت في شأن تقارير المخابرات عن وجود أسلحة محظورة في العراق. وقال بارنيت ان هذا خلاف تقليدي أدى بشكل كبير الى تأييد الرأي العام والصحافة للهيئة.لكن الفضيحة الاحدث قد تؤدي الى انصراف الرأي العام عن المؤسسة الاخبارية وخسارة تأييد الصحافة المكتوبة التي باتت تنافسها بشكل أكثر سخونة على اجتذاب زوار المواقع الاخبارية.وفي ظل هذه الاحداث سيطبق قرار خفض الوظائف.وتقول النقابات انها تتوقع الاعلان عن خفض بما يصل الى 2800 وظيفة بينها نحو 500 الى 600 من القسم الاخباري بعد أن توصلت الهيئة في وقت سابق هذا العام الى تسوية أدنى من المتوقع مع الحكومة بشأن نظام رسوم رخصة امتلاك تلفزيون.قال طومسون ان الهيئة تواجه نقصا في التمويل يصل الى ملياري جنيه استرليني (أربعة مليارات من الدولارات) خلال الاعوام الستة المقبلة وينبغي أن تقلص عدد الوظائف. لكن العاملين ومحللين يخشون من أن يؤثر ذلك على الجودة ولاسيما على المستوى الصحفي.وقال بارنيت لن يتوفر الوقت لتقديم الاعمال التي كانت بي.بي.سي. ناجحة بشكل مبهر في اخراجها مثل برنامج من مراسلينا...الخروج الى الشارع وكتابة تقارير حقيقية من أناس حقيقيين وأماكن حقيقية ومعرفة ما يحدث بالفعل.